
ناديت بخفوت
غرايسون
للحظة لا شيء.
ثم جاء صوتها صوت بيل من نافذة الطابق العلوي حادا وواضحا
ربما الآن سيتوقف البيت عن رائحة الغبار والندم.
توقف ضوء الشرفة.
وانغمست في ظلام يشبه الحكم.
وقفت هناك على عتبة المنزل الذي عشت فيه مع زوجي أربعين عاما
المنزل الذي ربيت فيه ابني
والذي أغلق في وجهي الآن. لا معطف. لا بيت. لا ابن. عدت إلى السيارة. قدت بصمت كثيف يخترقه فقط أزيز الإطارات. توجهت إلى أرخص فندق في أطراف البلدة ذاك الذي لا يسأل الأسئلة ويقبل الدفع نقدا. الفتاة عند الاستقبال لم ترفع رأسها حتى ناولتني بطاقة الغرفة وأشارت إلى ممر خافت الإضاءة. دخلت الغرفة أغلقت المزلاج جلست على طرف السرير الخشن أحدق في الجدار الملطخ ببقع الماء حتى تيبست ظهري من الجمود. لم أبك. لم أصرخ.
همست فقط إلى لا أحد أفهم الآن أراكما بوضوح. وفي تلك الغرفة الكئيبة ومعدتي مخيطة وروحي تتفكك ببطء اتخذت قراري. لقد ظنا أنهما محوا وجودي. ظنا أنهما انتصرا. لكنهما سيكتشفان قريبا أن بعض الأشياء مهما د*فنت ترفض أن تبقى ميتة. كنت سأغير كل شيء. هناك نوع خاص من الصمت يسكنك حين تدرك أن ابنك لم ينسك فقط بل أعاد كتابة قصتك عمدا. في تلك الليلة داخل الفندق ملفوفة ببطانية بوليستر خشنة والتلفاز مطفأ والمطر يطرق النافذة كآلة موسيقية تضبط إيقاع الحزن
لم أنم. لم أستطع. بدلا من ذلك تذكرت. ليس لأنني أردت بل لأن الصمت دائما ما يجلب معه الذاكرة. والذاكرة خصوصا تلك التي د*فنتها عميقا لتنجو لعقود لا تطرق الباب قبل الدخول. تذكرت من كنت. من أنا تحت كل هذا الغبار والحزن. قبل أن أكون أما وقبل أن أكون زوجة كنت صانعة. كانت يداي تتحدثان لغة القماش. كنت أميز بين الحرير الفرنسي والشيفون الإيطالي وأنا مغمضة العينين. كنت أملك مشغلي الخاص في بوـ,,ــــسطن لأكثر من ثلاثين عاما
Delilahs Dressings بجانب محل الزهور والمكتبة الصغيرة التي كانت رائحتها مزيجا من دخان الغليون والأسرار. كنت أخيط فساتين الزفاف لثلاثة أجيال من عائلة بوـ,,ــــسطنية مرموقة. أصلح أردية الأوبرا وأزياء المسرح وثياب المعمودية وآلاف فساتين الحفلات. كان الناس يأتون إلي من أجل لحظات أرادوا تذكرها إلى الأبد. وتذكرت توماس زوجي. كان معلم أدب في الثانوية تفوح منه رائحة النعناع والكتب القديمة يقرأ لي السوناتات وأنا في حوض الاستحمام وطلب يدي بمكولة فضية صغيرة بدل الخاتم لأنه عرف أني سأرتديها أكثر.
بنينا حياة هادئة وجميلة. بنينا غرايسون. وحين مرض توماس أمسك بيدي على سرير المستشفى ذلك السرير المعقم المشابه تماما لذلك الذي تركته للتو وقال لي بصوت ضعيف لكنه ثابت ديلايلا أبقي الأرض باسمك. كلها. إن حدث شيء احمي نفسك. فالناس يتغيرون. لم أجادله. لم أفعل يوما حين كان يتحدث بتلك القناعة الهادئة. وبعد رحيله نفذت وصيته. كنا قد اشترينا تلك الأرض في مين منذ سنوات منزلا متداعيا على سبعة أفدنة من الأرض البرية الجميلة الممتدة حتى البحر.
وبعد وـ,,ــــفاته بعت مشغلي في بوـ,,ــــسطن وعدت إلى مين. كان غرايسون يعيش هناك بالفعل مع بيل في منزلي وظننت بسذاجة الأرملة التي تبحث عن دفء العائلة أننا قد نبدأ من جديد معا. أحضرت معي صك الملكية. احتفظت به مع أوراقنا المهمة داخل صندوق معدني مقاوم للن*ار في أسفل صندوق الأمل القديم خاصتي. ليس لأنني كنت أخطط لشيء ولا لأنني شككت في ابني بل فقط لأن زوجي طلب مني ذلك. لكن غرايسون لم يتقبل فكرة أنني ما زلت أملك العقار.
في البداية كانت أشياء صغيرة تعليقات لاذعة على العشاء عن كوني لا أعامله كرجل البيت. أسئلة مموهة بالسخ*رية مثل ما زلت تظنين أني ذلك المراهق الذي سر*ق عشرين دولارا من محفظتك وأنا في الخامسة عشرة ثم وببطء توقفت النكات عن كونها نكات. في صباح ما حين ناولته الكريمة مع قهوته نظر إلي وقال ببرود أنت لا تثقين بي أليس كذلك لم تفعلي قط. لم تنظري إلي يوما كرجل بل كعبء اضطررت لحمله أكثر مما ينبغي.
أما بيل فكانت كالعادة مهذبة بطريقة مصطنعةتلك الرقة الزجاجية التي تخفي وراءها احتقارا لا يحتاج إلى مجهود. كانت تعانقني بجسد متصلب بذقن مرفوعة وكأنها تتجنب أن تلمسني حقا. تمتدح طعامي وكأنه عمل خيري غير متوقع. كانت تتصرف وكأن وجودي في البيت عيب في ديكورها قطعة أثاث قديمة لا تعرف كيف تتخلص منها. لكن عندما أصبحت مسألة الأرض محور الخلاف تحول ازدراؤها إلى رواية كاملة وأصبحت هي الراوية وأنا الشريرة في قصتها. سمعتها ذات يوم تتحدث عبر الهاتف بصوت مرتفع ومهمل ظنت أنني في الحديقة
هي تعيش من أجل السيطرة تخزن العقارات والذكريات كما يخزن العجائز الحبوب. هي العفن تحت ورق الحائط. نحاول أن نعيش حياة عصرية بسيطة لكنها دائما في الخلفية بمئزرها المغبر وتلك النظرة التي تحكم على كل شيء. إنها مثل رائحة كريهة لا يمكن التخلص منها. كان ذلك اليوم الذي توقفت فيه عن الخبز لهم. اليوم الذي أدركت فيه أنني لم أعد الأساس الهادئ الذي يبنون عليه حياتهم بل أصبحت الشق في الجدار الذي يحاولون طمسه. لم تكن المسألة تتعلق بالأرض فقط. لم تكن يوما كذلك.
كانت تتعلق بفكرة أنني ما زلت أملك جزءا من القوة شيئا لا يملكونه وأن وجودي نفسه يعكر صفو صورتهم المثالية. وبيل كانت دوما تهتم بالصورة أكثر من الأشخاص. تحول بيتي إلى معرضها الخاص. علقت صورة كبيرة مؤطرة لأمها في غرفة المعيشة بعد أن خبأت الصورة الوحيدة التي جمعتني بزوجي توماس. وحين سألتها عنها ابتسمت ابتسامة لزجة وقالت لقد كانت لا تتناسق مع اللون الجديد للجدران. ومع مرور الوقت بدأوا يمحونني تدريجيا. صرت مجرد صوت خطوات خافتة في الممر باب يفتح ويغلق بلا أثر.
كنت أختفي. وكلما حاولت أن أتكلم أن أقاوم هذا المحو وصفت بأنني صعبة درامية كثيرة العواطف. هكذا في روايتهم أصبحت الأم التي لا يريد أحد أن يتذكرها. وبذلك سهل عليهم أن ينسوا أنهم أحبوني يوما بأن يقنعوا أنفسهم أنني لم أكن جديرة بالحب أصلا. لكنني تذكرت. تذكرت كل شيء. تذكرت من أكون. وأدركت وأنا جالسة في تلك الغرفة الباردة في النزل الرخيص أنه إن كانوا قد أعادوا كتابة قصتي فقد حان الوقت لأن أكتب نهايتي بنفسينهاية لا تطلب إذنهم ولا تنتظر شفقتهم.
لأنهم أرادوا محوي وسيتعلمون الآن ما يعنيه أن يمحى المرء حقا. جاءت أولى ثلوج الشتاء يوم اثنين بهدوء ودون إعلان. استيقظت على عالم شاحب وصامت. أجريت مكالمتين ذلك الصباح. الأولى إلى البنك لتحديد موعد للوصول إلى صندوق الأمانات الخاص بي. والثانية إلى شابة تدعى آفا مينديزامحامية لامعة ذكية بدأت لتوها تبني اسما في البلدة. قبل خمسة عشر عاما لم تستطع والدتها شراء فستان لتخرجتها فخيطت لها واحدا من الحرير الأزرق مجانا. قلت يومها الكرامة لا ينبغي أن تباع.
قالت لي آفا عبر الهاتف انتظرت هذه المكالمة منذ خمسة عشر عاما الآنسة ديليلا. في المساء التقيتها في مكتبها الصغير فوق المخبز المحلي. سلمتها الوثائق التي كنت أحتفظ بها في صندوق الأمانات صك الملكية الأصلي للمنزل والأرض والتعديل الموثق على وصيتنا الذي أصر عليه توماس قبل وـ,,ــــفاته بثلاثة أشهر. ينص التعديل على أنني أملك السلطة الكاملة في إلغاء الميراث العائلي إذا تعرضت في أي وقت لالإهمال أو الإساءة أو الهجر من قبل الورثة. رفعت آفا عينيها عن الأوراق وفي نظرتها مزيج من الإعجاب والغ*ضب القانوني البارد.
قالت ببطء



